مجموعة مؤلفين

120

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

والحق لم يزل متكلما وإن حدث في الكون فلا يدل على حدوثه في نفس الأمر ، قال تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] ، يعني عندهم وإن كان قد تكلم به مع غيره قبل هذا مثل ما في التوراة وغيرها مما هو في القرآن ، هذا إذا قلنا أنه مريد كلام اللّه الذي هو صفة له ، وإن كان الظاهر أن السامع إنما سمع كلام المترجم عن اللّه تعالى كما قال : « إن اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده » « 1 » ، انتهى . واعلم أن كلام الشيخ في هذا المقام على وجه التمام ، فيه بحر المعارف والحقائق ولولا ضيق الوقت لأطنبت في شرحه ، لكن ننبه إن شاء اللّه تعالى على ما لابد منه إجمالا . فمن قوله : « فإذا وقع التجلي » إلى قوله : « قال تعالى » أشار فيه إلى أن التجلي الإلهي الذي هو عبارة عن ظهور الوجود الحق ، الذي هو مبدئ الآثار والأحكام مطلقا كما علمت سابقا بصور استعدادات الأعيان الثابتة المرتسمة في العلم القديم ، وهذا الظهور يقتضي أن ينسب إليه جميع أحكام تلك الصورة التي ظهر بها على حسب مراتب الصور ، والشاهد في السنة على التجلي في الصور حديث مسلم ، وهو يتضمن تجليه قبل كشف الساق ، وبعدها بصورة تنكر وصورة تعرف ، وعبارة الشيخ تتناول القطعة الموجودة من تفسيره يصرح بذلك ، وهي إما بعد فإن أول ما ينبغي للمتكلم في القرآن الذي هو كلام اللّه ، المكتوب في المصاحف ، المحفوظ في الصدور ، المتلو بالألسنة أن يعلم أن اللّه سبحانه يتجلى في صور مختلفة كما ورد في الخبر ، وإن من شأن هذا الحكم أن تستلزمه أحكام تلك الصورة التي ظهر بها ، فيعلم عند ذلك في أي صورة ظهر الحق حتى ، اتصف كلامه بحروف مسموعة وأصوات مقطعة ، انتهى .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 244 ) ، ومسلم ( 1 / 310 ) .